النويري

14

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولا قلبك بحديث نفس ، واحذر هذا من نفسك وتعهدها به . وقال : لا تشكونّ إلى وزراء السلطان ودخلائه ما اطَّلعت عليه منه من رأى أنت تكرهه ، فإنك تكون قد فطَّنتهم لهواه والميل عليك معه . وقال : لا تكونن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك ، وموافقتهم فيما خالفك ، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك ، وعلى [ 1 ] ألَّا تكتمهم سرّك ولا تستطلعهم ما كتموك ، وتخفى ما أطلعوك عليه عن الناس كلهم [ حتى تحمى نفسك الحديث به [ 2 ] ] ، وعلى الاجتهاد في طلب رضاهم ، والتلطَّف لحاجاتهم ، والتثبيت لحجتهم [ 3 ] ، والتصديق لمقالتهم ، [ والتزيين [ 2 ] لرأيهم ] ، وقلَّة الامتعاض لما فعلوا إذا أساؤا ، وترك الانتحال لما فعلوا إذا أحسنوا [ 4 ] ، وكثرة النشر لمحاسنهم ، وحسن السّتر لمساوئهم ، والمقاربة لمن قاربوا وإن كان بعيدا ، والمباعدة لمن باعدوا وإن كان قريبا ، والاهتمام بأمورهم وإن لم يهتمّوا ، والحفظ لأمورهم وإن ضيّعوا ، والذكر لأمورهم وإن نسوا ، والتخفيف بمؤنتك عنهم ، والاحتمال لكل مؤنة لهم ، والرضا منهم بالعفو ، وقلة الرضا من نفسك بالمجهود . فإن كنت حافظا إذا ولَّوك ، حذرا إذا قرّبوك ، أمينا إذا ائتمنوك ، ذليلا إذا صرموك ، راضيا إذا أسخطوك ، تعلَّمهم وكأنّك تتعلَّم منهم ، وتؤدّبهم وكأنك تتأدّب منهم ، وتشكرهم ولا تحمّلهم الشكر ، وإلَّا فالبعد منهم كلّ البعد . ومن الآداب العرفية في صحبة الملوك وخدمتهم ، ألَّا يسلَّم على قادم بين أيديهم ، وإنما استسنّ ذلك زياد بن أبيه ، وذلك أن عبد اللَّه بن عبّاس قدم على

--> [ 1 ] كذا في الأدب الكبير ، وفى الأصل : « وعلم » بدل « وعلى . . . » وهو تحريف . [ 2 ] زيادة عن الأدب الكبير . [ 3 ] كذا في الأدب الكبير ، وفى الأصل : « والتثبت بحجتهم » . [ 4 ] الجملة من « وقلة الامتعاض . . . إذا أحسنوا » منقولة عن الأدب الكبير ، وهى في الأصل : « وقلة الانتحال لما فعلوا إذا أساؤا » ففيه تحريف شوّه المعنى وأضاعه .